أنا سوري اه يا نيالي


    دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في القانون المغربي.

    شاطر
    avatar
    Admin
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات : 223
    نقاط : 2147
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 19/01/2010

    دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في القانون المغربي.

    مُساهمة من طرف Admin في السبت فبراير 13, 2010 1:08 am

    الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل

    من إعداد: نورة بوطاهر
    أنس الأعرج
    مقـدمـة:
    تعتبر المحاكم الإدارية أهم ركائز تأسيس دولة القانون، وذلك من خلال مراقبة أعمال الإدارة، وتمارس هذه المحاكم رقابتها من خلال نوعين من الدعاوى، هما دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل.
    دعوى الإلغاء ليست دعوى بين خصوم، بل هي موجهة ضد قرار صادر عن سلطة إدارية بإرادتها المنفردة قصد التوصل إلى إلغاءه، ولا يملك القاضي سوى سلطة إلغاء القرار إذا تبين له عدم شرعيته، أو رفض الطلب إذا ثبت له أنه سليم من الناحية القانونية، أو عدم قبوله إذا انتفت إحدى الشكليات اللازمة لرفع الدعوى.
    أما دعوى القضاء الشامل فهي خصومة قائمة بين طرفين، يدعي أحدهما أنه وقع المساس بأحد مراكزه الذاتية أو الشخصية، ويملك فيها القاضي سلطات واسعة من أجل إرجاع الحق لصاحبه وتقرير التزامات على الطرف الأخر.
    من خلال ما سبق يظهر لنا أن هناك اختلاف واضح بين دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل، مما يسمح بتمييز كل منهما عن الأخرى.
    وبالرغم من هذا الاختلاف، فإن القرار الإداري يكون في بعض الأحيان قاسما مشتركا بينهما، وذلك في الحالة التي يترتب فيها عن القرار المطعون فيه بعدم المشروعية ضرر ما.
    بحيث يكون قضاء الإلغاء مختصا بالبت في مشروعية القرار، والقضاء الشامل مختصا ببحث مسؤولية الإدارة عن الضرر الناتج عن القرار.
    هذه الحالة تضعنا أمام التساؤل التالي:
    هل يمكن الحديث عن إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل؟
    الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب منا:
    أولا: البحث في إمكانية الجمع بين طلب الإلغاء وطلب التعويض في مقال واحد، وذلك من خلال المبحث الأول.
    ثانيا: البحث في مدى الترابط بين دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل وذلك في المبحث الثاني.
    سنتحدث في البداية عن إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في القانون المقارن( المطلب الأول)، على أن نتحدث بعد ذلك عن إمكانية الجمع بينهما في المغرب ( المطلب الثاني).
    المطلب الأول: إمكانية الجمع في القانون المقارن
    سنخصص هذا المطلب للحديث عن إمكانية الجمع في كل من فرنسا ( الفقرة الأولى)، ومصر ( الفقرة الثانية).
    الفقرة الأولى: إمكانية الجمع بين الدعويين في فرنسا
    الأصل في فرنسا هو استقلال كل من دعوى إلغاءle recours pour excès de pouvoir
    ودعوى القضاء الشاملcontentieusepleindele recours.
    فإذا أراد المدعي الطعن في قرار إداري بالإلغاء و بالتعويض وجب عليه أن يرفع دعويين مستقلين أحداهما للإلغاء و الأخرى للتعويض.
    وقد أجاز مجلس الدولة الفرنسي الجمع بين عريضتي الإلغاء و القضاء الشامل لنظر فيهما في وقت واحد تفاديا لطول الانتظار، وذلك مع احتفاظ كل دعوى باستقلالها و إجراءاتهاle régime de la coexistence entre le recours pour excès de pouvoir et le recours de plein contentieuse.
    ولم يبح المجلس الجمع بين طلب الإلغاء وطلب التعويض في عريضة دعوى واحدة – هي عريضة القضاء الشامل- إلا في ثلاثة أحكام صدرت في 31 مارس 1911هي قضايا argaing, bézie, blanc، ولكن مجلس الدولة الفرنسي لم يسر في اتجاه هذه الأحكام التي بقية وحيدة، وظلت القاعدة هي عدم جواز الجمع بين طلب الإلغاء وطلب التعويض في عريضة واحدة، فإذا ما اشتملت عريضة دعوى الإلغاء على طلب التعويض، فإن مجلس الدولة الفرنسي يرفض نظر طلب التعويض ويباشر فقط ولايته بصدد دعوى الإلغاء والحكم فيها، ولعل مرجع ذلك هو التيسيرات التي خص بها المشرع الفرنسي دعوى الإلغاء والتي تتمثل في الإعفاء من رسوم القيد وعدم اشتراط تقديم عريضتها عن طريق أحد المحامين.
    الفقرة الثانية: إمكانية الجمع بين الدعويين في مصر
    على خلاف ما عليه الأمر في فرنسا، فقد أجاز المشرع في مصر هذا الأسلوب، إذ أقر إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في عريضة واحدة هي عريضة دعوى الإلغاء، بحيث يكون طلب إلغاء القرار الإداري غير المشروع هو الطلب الأصلي ويكون طلب التعويض عن الأضرار الناجمة عنه بمثابة طلب تابع لطلب الإلغاء.
    وتجد هذه الإمكانية سندها القانوني في البند الثامن من المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972، التي أسندت الاختصاص لمحاكم المجلس للفصل في " طلبات التعويض عن القرارات المنصوص عليها في البنود السابقة سواء رفعت بصفة أصلية أو تبعية".
    في هذه الحالة يملك القاضي الولاية الكاملة- بالمعنى الفني الدقيق- ليحكم بإلغاء القرار غير المشروع بالنسبة للكافة، علاوة على الحكم بالحقوق الشخصية الواجبة للطاعن.
    ويرفع طلب التعويض بصفة احتياطية عند ما يتم تضمين العريضة طلب إلغاء أصلي، مع المطالبة بالتعويض كطلب احتياطي، كأن ترفع الدعوى بصفة أصلية للمطالبة بإلغاء قرار من القرارات، مع المطالبة احتياطيا بالتعويض عنه باعتباره عملا خطأ، وهذا يحدث عادة عندما يكون طلب الإلغاء من المحتمل عدم قبوله شكلا لعدم مراعاة مواعيد طلب الإلغاء أو لعدم التظلم بالرغم من كونه واجبا قبل طلبا لإلغاء, ذلك لأن دعوى التعويض لا تخضع لميعاد رفع الدعوى أو اشتراط التظلم الوجوبي وإن كان وإن كانت تخضع لقواعد التقادم.
    وفي مصر فقد كانت المحاكم العادية تختص وحدها بقضاء التعويض إلى سنة 1946, فلما أنشئ مجلس الدولة و حتى صدور القانون رقم 165لسنة1955كان الاختصاص بالتعويض عن الأضرار التي سببها القرارات الإدارية مشتركا بين جهتي القضاء العادي والإداري، وكان المدعي هو الذي يحدد جهة الاختصاص وله الخيار، فإذا لجأ إلى إحدى الجهتين أصبحت هي المختصة وامتنع عليه الاتجاه إلى الأخرى، وكانت كل جهة من جهتي القضاء العادي والإداري تطبق قواعد قانونية مغايرة لتلك التي تأخذ بها الأخرى مما أدى إلى اختلاف الأحكام الصادرة في دعاوى متماثلة، وبصدور القانون رقم 165لسنة 1955زالت حالة الاختصاص
    المشترك وأصبح القضاء الإداري دون غيره هو المختص بالفصل في طلبات التعويض عن القرارات الإدارية المعيبة التي تسبب ضررا للأفراد، وأيد القانون رقم 55 لسنة 1959 هذا الاتجاه.
    وتبقى الإشارة في الأخير أن المشرع المصري نص بموجب المادة 25 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 على إلزامية مؤازرة المحامي في دعوى الإلغاء، بحيث يعتبر ذلك إجراء جوهريا، يترتب على إغفاله بطلان العريضة.
    كما أنه ليست هناك مجانية للتقاضي (في إطار دعوى الإلغاء)، سوى ما شرع في نظام الإعفاء المؤقت من دفع رسوم الدعاوى أمام القضاء، وذلك إلى أن يفصل في الدعوى، وفي هذه الحالة يحكم بالرسوم على من يخسر دعواه.
    بعد أن قمنا بإعطاء نظرة موجزة عن أمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في القانون الفرنسي والمصري، سننتقل لبحث إمكانية الجمع بينهما في المغرب.
    المطالب الثاني: إمكانية الجمع بين الدعويين في المغرب
    قبل إنشاء المحاكم الإدارية، لم تكن تثار إشكالية الجمع بين دعوى التعويض ودعوى الإلغاء، على اعتبار أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، لم تكن مختصة إلا في دعاوى الإلغاء.
    أما وقد أصبحت المحاكم الإدارية مختصة فيهما معا فهل يمكن الجمع بين دعوى إلغاء قرار إداري لعدم شرعيته وطلب التعويض في إطار المسؤولية الإدارية عن الأضرار التي قد تنتج عن هذا القرار.
    لم يتعرض المشرع المغربي في القانون المحدث للمحاكم الإدارية لا للمنع ولا للإجازة، مما يفتح المجال واسعا للاجتهاد القضائي.
    ومعلوم أن مسطرة كل من الطلبين تختلف تمام الاختلاف عن الأخرى، إذ طلب الإلغاء يسجل مجاناوداخل أجل قصير نسبيا،في حين تؤدى الرسوم القضائية في طلبات التعويض باعتبارها تدخل في إطار القضاء الشامل، كما أن أجل رفعها طويل ما دام أنها تخضع لأجل التقادم الذي يختلف باختلاف الحالات، كما أن الحكم بالإلغاء لا يمكن شموله بالنفاذ المعجل لتوفر مسطرته إيقاف تنفيذ القرارات المنصوص عليها في الفصل 24 من قانون المحاكم الإدارية، بينما لا يوجد ما يمنع من شمول الحكم بالتعويض بالنفاذ المعجل القضائي.
    وقد عرضت هذه الإشكالية فعلا على المحاكم الإدارية بالمغرب، فأجازت إدارية مكناس في أحد أحكامها،الجمع بين طلبي الإلغاء والتعويض، حيث حكمت بإلغاء قرار إداري صادر عن بلدية بوفكران، إلا أنها رفضت التعويض بعلة عدم سلوك الطاعن لمسطرة الفصل 34 من ظهير 30/09/1976 المتعلـق بالتنظيـم الجماعي، وقد سارت المحكمة الإدارية بوجدة في نفس الاتجاه، حيث قبلت الجمع بين الطلبين في عريضة واحدة، فألغت القرار الإداري المطعون فيه، وصرحت بعدم قبول طلب التعويض لعدم أداء الرسم القضائي.
    كما أن المحكمة الإدارية بمكناس أكدت اتجاهها السابق، بقبولها مرة أخرى إمكانية الجمع بين الدعويين من خلال الحكم رقم90/2002/12ش، ملف 125/2001/12ش، الصادر بتاريخ 14/11/2002/ بين العلوي إدريس وجماعة شرقاوة، بحيث جاء في تعليل هذا الحكم أنه:" لا مانع من الجمع بين طلب الإلغاء وطلب التعويض في صحيفة دعوى واحدة...".
    وقد صدر عن المحكمة الإدارية بالرباط مؤخرا حكم عدد 1003 بتاريخ 12/10/2004 ، أجازت فيه الجمع بين طلب الإلغاء وطلب التعويض في مقال واحد والبت فيهما معا في حكم واحد، طالما لا يوجد نص تشريعي يحول دون ذلك، ففي غياب أي مانع قانوني، فإن الأصل هو إباحة الجمع.
    وقد أوضح القاضي في هذا الحكم أن إمكانية الجمع رهينة باستيفاء بعض الشروط المتمثلة في كون كل طلب على حدة ( الإلغاء والتعويض) ينبغي أن تتوفر فيه الشروط التي تجعله مقبولا لدى المحكمة، ثم يتعين أن يوجد ترابط بين الطلبين كما هو الحال في هذه النازلة.
    " حيث إنه طالما لا يوجد نص طالما لا يوجد نص صريح يمنع الجمع المذكور، فإن القول بذلك المنع ينبغي أن يقوم على قاعدة تنسجم مع المبادئ التي تنظم الحق في التقاضي بما يضمن استمرارية هذا الحق وتفعيله وليس عرقلته وتعطيله، لذلك فكلما كانت شروط قبول كل طلب على حدة متوفرة، فإن الجمع بينهما في مقال واحد يصبح مقبولا خاصة في حالة الترابط بينهما".
    وقد لقي هذا الجمع تأيد عدد من المهتمين، فهكذا نجد كل من الأستاذين آمال المشرفي وامحمد عنتري، يقولان:" ففي واقع الأمر ولئن ورد الطلبان في مقال واحد، فإن القاضي يفصل بينها، ويتأكد من استجابة كل منهما لشروط القبول، وفي حالة الإيجاب يبت فيهما معا، والحكم الصادر يكون حكما يندرج ضمن قضاء الإلغاء بالنسبة للشق الخاص المتعلق بمراقبة المشروعية بالنظر للحجية التي يتمتع بها وضمن القضاء الشامل بالنسبة للشق الخاص بجبر الضرر، وليس في هذا الوضع ما يثير مبدئيا التحفظ والرفض، لأن منع الجمع بين الطلبين المستدل به عادة، كما هو الشأن في القضية التي تهمنا لا يستند إلى أساس وإنما هو نابع من مسلمة غريبة عن واقعنا، فهذا المنع يجد مبرارته لحقيقية في التقليد اللامشروط للحلول المعمول بها في فرنسا، ففي هذا البلد عدم جواز الجمع تمليه محددات خاصة، أما في المغرب،فإن الوضع مختلف مما يبرر الأخذ بحلول مغايرة تتلاءم مع واقعنا وتستجيب لخصوصياته، وبالنظر لهذه الخصوصيات، فإن الجمع بين الإلغاء والتعويض أمر جائز بل وضروري لتفعيل القضاء الإداري...علاوة على ذلك ، فإن الحكم من خلال فصله في الطلبين مع الاكتفاء بمسطرة قضائية واحدة، يبسط إلى حد كبير مسطرة التقاضي، ويجعلها أكثر في متناول المواطنين، فكثيرة هي القضايا البت لا يمكن حلها في كل جوانبها فقط بصدور حكم الإلغاء وإنما تستلزم دعوى أخرى بطلب التعويض، وغالبا ما تستنفذ المساطر القضائية طاقة المتقاضي وصبره وإمكانياته المادية باستصدار حكم الإلغاء لفائدته، ويستعصي عليه عمليا مواصلة التقاضي برفع دعوى ثانية وربما ثالثة لاسترداد حقه كاملا وجبر الضرر الناتج عن القرار الملغى، فيتوقف في منتصف الطريق، ...".
    وبجانب هذا الرأي، هناك اتجاه معرض لهذا الجمع، بالرغم من أنه يقر بفوائد الجمع العملية، لكنه يتساءل عن السند الذي اعتمدت علي المحاكم الإدارية للقول بجواز الجمع بين الدعويين، فهذه المحاكم تكتفي بالقول أنه لا يوجد ما يمنع الجمع دون أن تبرز الأساس الذي يبرر هذا الجمع، كما أن هذا الاتجاه يرى أن الجمع لا يساير المنطق القانوني، بالنظر إلى الاختلاف الموجود بين كل من دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل.
    فهذا الاتجاه يرى أنه بقبول هذا الجمع، فما الذي يمنع القاضي الإداري من قبول دعوى المطالبة بعقار أو دعوى التطليق.
    ومع كل ما ذكر فإننا نرى أنه ينبغي الدفاع على إمكانية الجمع بين الدعويين، نظرا للمزايا والفوائد التي تحققها للمتقاضين، خصوصا وأن القضاء الإداري وكما هو معلوم جاء من أجل ضمان حقوق المواطنين في مواجهة الإدارة، ومن أجل بناء دولة القانون، هذه الدولة لا يمكن أن تقوم إذا لم يستطع الأفراد التوصل إلى حقوقهم بسرعة ومن خلال أقصر الطرق وأسهلها، ثم بالنظر إلى طبيعة القضاء الإداري.
    وبالنسبة للمشاكل المسطرية التي تعترض إمكانية الجمع، فإنه يمكن التغلب عليها، من خلال اعتبار دعوى الإلغاء هي الدعوى الأصلية، في حين يتم اعتبار المطالبة بالتعويض، مجرد طلب تبعي، مع محاولة المزاوجة بين شروط كل من الدعويين بشكل يضمن لكل واحدة منهما استقلالها.
    مع الإشارة إلى أن هناك نوع من الدعاوى لا يمكن تطبيق هذا الاقتراح عليها، بسبب عدم إمكانية القفز على دعوى الإلغاء والحكم في دعوى التعويض، وهو المعروف بدعوى التسوية الفردية.
    بما أن القرارات الإدارية التي يصح أن تكون محلا لدعاوى التعويض، هي نفس القرارات التي يجوز طلب إلغائها، بحيث تتحد دعوى التعويض مع دعوى الإلغاء من حيث القرار الذي ترفع كل منهما بصدده.
    فإنه يحق لنا التساؤل: هل لابد من أن يكون القرار غير مشروعا، حتى يحق للمتضرر طلب التعويض عنه؟.
    كما يحق لنا التساؤل أيضا:هل كل الأسباب المؤدية لإلغاء تعتبر خطأ يترتب عنه التعويض؟
    سنجيب عن هذين السؤالين من خلال المطلبين المواليين، بحيث نخصص الأول لإجابة عن السؤال الأول، ونخصص المطلب الثاني لإجابة عن السؤال الثاني.
    المطلب الثاني: الترابط بين مشروعية القرار والتعويض عنه
    بالنسبة للقضاء المصري: فإنه لا يحكم بالتعويض إلا إذا ثبت له أن القرار غير مشروع، بأن شابه وجه من أوجه عدم المشروعية المعروفة وهي عيب الشكل والاختصاص، ومخالفة القانون والانحراف.
    وهكذا فإنه إذا كان القرار سليما ومطابقا للقانون من جميع نواحيه، فإن الإدارة لا تسأل عن الأضرار التي تترتب عليه.
    ولإشارة فإن هذا الموقف الذي ينهجه القضاء المصري، لم يكن هو المعمول به قبل سنة 1956، بحيث أن القضاء الإداري كان يأخذ بنظرية التعسف في استعمال الحق، بمعنى أن القاضي الإداري في نطاق قضاء الإلغاء لا يراقب القرار إلا في حدود الانحراف بالسلطة( بالنسبة للمغرب نقول تجوز في استعمال السلطة)، أما فيما يتعلق بالتعويض فإن القاضي يحاسب الإدارة على المسائل التي تكون نظرية" التعسف في استعمال الحقوق الإدارية".
    ومن أمثلة هذه الأحكام، نجد الحكم الصادر في 15 يونيه1950 الذي جاء فيه:" ...إن المسؤولية الملقاة على الحكومة من حيث إدارة الشؤون العامة ورعاية مصالح الدولة تقضي بأن يكون لها حق مراقبتهم، وفصل من تراه غير صالح للعمل، مراعاة للصالح العام وبدون محاكمة تأديبية، إلا أن حقها في ذلك ليس مطلقا، وإنما تستعمله في حدود المصلحة العامة، فإن تعدت هذه الحدود، وأصدرت قرارات الفصل عن هوى، كان عملها
    غير مشروع، ولما كان الأصل في تصرفات الإدارة أنها للصالح العام، وأن من أسباب العزل ما تقضي المصلحة العليا للدولة أو المصلحة الشخصية للموظف عدم الإفصاح عنها، ترتب على هذا الأصل أن الإدارة غير ملزمة بتسبيب قراراتها، فمن يدعي عليها من الأفراد بالعدوان يقع على عاتقه عبء إثبات ذلك، وإذا ما طلب إلغاء القرار الإداري الصادر في شأنه".
    وهذا بخصوص دعوى الإلغاء، أما بالنسبة للدعوى التعويض فإن المحكمة اعتمدت ما يلي:" مما لا يتعارض مع مبدأ السابق الذي قرره الفقه الإداري رعاية لشؤون الدولة ولتمكينها من عدم التعاون مع من ترى للصالح العام عدم معهم من الموظفين القابلين للعزل، أن يكون مع ذلك للموظف المفصول بغير طريق التأديب حق اقتضاء التعويض المناسب من الدولة إذا ما قام الدليل من أوراق الدعوى على أنه فصل في وقت غير لائق أو بطريقة تعسفية أو بغير مبرر شرعي، إذا ما تعذر عليه إقامة الدليل على إساءة استعمال السلطة، توصلا لإلغاء قرار فصله، ذلك لأن الدولة إذا رغبت في أن تضحي بالموظف العمومي القابل للعزل، بإحالته للمعاش قبل بلوغه السن المقرر للتقاعد استعمالا لحقها في حدود القانون وللصالح العام، فإنه ينبغي عليها أن تتحمل في الوقت ذاته مخاطر هذا التصرف، فتعوض الموظف المفصول تعويضا معقولا إذا ما تبين أنه فصل في وقت غير لائق أو بطريقة تعسفية، أو بغير مبرر شرعي، لما في ذلك من تطبيق صحيح لقواعد المسؤولية في الفقه الإداري، وتغليب لقواعد العدالة، وتوفير الضمانات للدولة وموظفيها".
    هذا هو موقف القضاء الإداري قبل أن يعدل عنه بمقتضى الحكم الصادر في 14 أبريل 1956، الذي تم فيه رفض التعويض استنادا إلى مشروعية القرار، حيث جاء فيه:"...وإن المحكمة لم تستطع أن تستنبط من ملف خدمته قرينة على أن القرار مشوب بسوء استعمال السلطة، ومن ثم يكون القرار سليما، خاليا من عيب البطلان فتنهار بذلك دعوى الإلغاء، كما تنهار دعوى التعويض أيضا، إذ لا محل للتعويض إلا إذا كان القرار المطعون فيه باطلا...".
    وهكذا فإن أساس مسؤولية الإدارة في مصر، مؤسسة على إصدار قرار غير مشروع يشكل في حقها خطأ وينتج عنه ضرر للغير، وبالتالي فإن هذه المسؤولية قائمة على الخطأ، وأركانها ثلاثة: خطأ وضرر والعلاقة السببية.
    هذا بالنسبة للقضاء المصري، فما هو موقف القضاء المغربي؟
    من خلال الإطلاع على الصادرة عن القضاء الإداري بالمغرب، يتضح لنا أن القضاء المغربي يميل إلى تأسيس مسؤولية الإدارة بخصوص القرار الإداري على الخطأ المتمثل في عدم مشروعية القرار.
    من هذه الأحكام، نجد الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، عدد 119 بتاريخ 17/05/2000، بين ظهير الدين محمد ضد وزير وزير التعليم العالي.
    وتتمثل وقائع هذا الحكم في أن وزير التربية الوطنية أصدر قرار يقضي بعزل السيد ظهير الدين محمد من أطر التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، فتقدم هذا الأخير بطلب إلغاء هذا القرار، وبالفعل استجابة المحكمة الإدارية بالدار البيضاء لطلبه هذا بمقتضى الحكم عدد 227 بتاريخ 20 يونيو 1996، هذا الحكم تم تأييده من قبل الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى من خلال القرار عدد 1298 الصادر بتاريخ 25 شتنبر 1997.
    بعد هذا قام السيد ظهير الدين محمد بالتقدم بطلب يرمي إلى تعويضه عن الضرر الذي لحقه من جراء هذا القرار الذي قضى بعدم مشروعيته.
    وقد استجابة المحكمة الإدارية بالدار البيضاء لطلبه هذا، ومن الحيثيات التي اعتمدت عليها نجد:" حيث إنه من المبادئ العامة للمسؤولية التقصيرية أن كل خطأ سبب للغير ضررا مادية أو معنويا يلزم من ارتكبه بالتعويض عن هذا الضرر متى ثبتت أركان المسؤولية وهي الخطأ والضرر وعلاقة السببية ما بين الخطأ والضرر".
    من خلال هذه الحيثية يظهر لنا أن المحكمة اعتمدت في تقرير التعويض على كون القرار غير مشروع.
    هذا التوجه اعتمدته المحكمة الإدارية بفاس، من خلال حكمها رقم 1257 الصادر بتاريخ 8/11/2001، بين الفايق وعامل فاس المدينة، مع الإشارة إلى أن هذه المحكمة كانت أكثر وضوحا من المحكمة الإدارية بالدار البيضاء.
    ومما جاء في هذا الحكم نجد:" حيث أسس المدعي مطالبته بالتعويض على صدور قرار نهائي عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى قضت بتأييد الحكم المستأنف الصادر عن إدارية فاس بتاريخ 19/9/2001 في الملف عدد 303غ/99 والقاضي بإلغاء الإقالة عدد 1/99 الصادر عن عامل عمالة فاس المدينة.
    -يتبع -


    دراسة لعقدي النقل والتأمين البحري بالمغرب

    Posted: 12 Feb 2010 06:12 AM PST
    إعداد:
    مساوي رشيدة
    موالدة عبد الواحد
    الترابي بوعبيد
    عبد الإلاه الخلفي

    للنقل البحري أهميته من الوجهتين الاقتصادية والتجارية إذ تعتمد الدولة بصفة أساسية على هذا النوع من النقل، سواء بالنسبة لصادراتها أو بالنسبة لوارداتها،وعقد النقل البحري يلعب دورا هاما في التنمية الاقتصادية نظرا لانخفاض تكاليفه بالمقارنة مع باقي وسائل النقل الأخرى، وقد أدركت الدول في الوقت الحاضر حقيقة أساسية مؤداها أن توقف أو ضعف النقل البحري يؤدي حتما إلى تدهور في الاقتصاد بصفة عامة.
    ورغم تقدم النقل الجوي للبضائع وتضاعف مقدار البضائع المنقولة جوا، فإن النقل البحري ما زال متفوقا في هذا المجال لضخامة حمولة سفن البضائع،ولسهولة النقل عن طريق البحر.
    ولا يمكن أن تتحقق الأهداف المتوخاة من النقل البحري بدون وجود تأمين ضد الأضرار التي يمكن أن تلحق بالسفينة، فالتأمين البحري يهدف بالأساس إلى تمكن الأطراف المعنية بعقد النقل من القيام بعملياتهم التجارية دون تحمل النتائج المالية التي قد تنجم عن الضياع المحتمل للبضاعة وكذا الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها هذه الأخيرة نتيجة لمخاطر البحر.
    وقد عمل المشرع المغربي من خلال القانون التجاري البحري، على تنظيم عقد النقل البحري وعقد التأمين البحري، إذ صدر ظهير شريف بتاريخ 31/03/1919 يتعلق بالتجارة والملاحة والصيد البحري، كما انضم المغرب إلى اتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بحرا لسنة 1978 والمعروفة بقواعد " هامبورغ"، بمقتضى ظهير شريف صادر في 14/11/1986.
    لكن الفقه المغربي وجه انتقادات شديدة للمشرع المغربي، الذي لم يبذل مجهودا حقيقيا لتغيير القانون الحالي، إذ أصبح هذا الأخير عاجزا عن مواكبة ومسايرة التطورات التي يعرفها الميدان البحري، التي جاءت نتيجة للتغيرات التي يعرفها العالم، فمشروع قانون المدونة البحرية ما زال منذ مدة طويلة حبيس رفوف البرلمان ، والسبب في ذلك غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإخراج هذا القانون إلى حيز الوجود ، بالإضافة إلى عدم قدرة الجهات المسؤولة عن تجاوز الاكراهات والضغوط الداخلية والخارجية من طرف بعض الجهات التي ليس في مصلحتها خروج المشروع المذكور إلى الوجود
    وحتى نعالج موضوعنا نرى من الأنسب أن نقسمه إلى مبحثين، نخصص الأول للحديث عن عقد النقل البحري، في حين نتعرض في الثاني إلى عقد التأمين البحري، وذلك على الشكل التالي:

    المبحث الأول: عقد النقل البحري
    المبحث الثاني: عقد التأمين البحري


    سنتعرض في هذا المبحث، إلى الأحكام العامة لعقد النقل البحري ( المطلب الأول)، ثم إلى مسؤولية الناقل البحري(المطلب الثاني).



    مما تنبغي الإشارة إليه في البداية أن عقد النقل البحري هو العقد الذي يلتزم الناقل بمقتضاه بأن ينقل بضائع بحرا لحساب شخص أخر هو الشاحن لقاء أجر معلوم.

    وبخصوص اتفاقية هامبورغ جاء في الفقة السادسة من المادة الأولى، أن المقصود بمصطلح عقد النقل البحري ، العقد الذي " يتعهد الناقل بموجبه بنقل بضائع بطريق البحر من ميناء إلى أخر لقاء أجرة...".
    ويتطلب عقد النقل البحري كسائر العقود توافر مجموعة من الشروط التي حددتها القواعد العامة للعقود من محل وسبب والرضى والأهلية وهي أمور لا تثير أي إشكال. وبالرجوع إلى الفصل 207 من القانون البحري لسنة 1919 نجدة ينص على أنه:
    " يثبت إيجار السفينة أو عقد النقل البحري بمشارطة إيجار أو تذكرة الشحن أو بأي محرر أخر " ، ومن هذا الفصل يتضح أن الكتابة ليست شرطا لصحة عقد النقل البحري، فهي شكلية للإثبات وليست شكلية للانعقاد، فجل القوانين المقارنة تعترف بالطبيعة الرضائية لعقد النقل البحري حتى تلك التي تعد الأكثر تشبتا بالشكلية كالقانون الإنجليزي.
    وبخصوص أطراف عقد النقل البحري، نجد أنه يضم ثلاثة أطراف الشاحن والناقل والمرسل إليه.
    فبالنسبة للشاحن يلاحظ أن القانون المغربي استعمل مصطلح المرسل ولم يستعمل مصطلح الشاحن، الذي هو الأكثر تداولا في الميدان البحر ، هذا الأخير لم يتم تعريفه من طرف المشرع الغربي ، وقد عرفت اتفاقية هامبورغ الشاحن بأنه: كل شخص أبرم مع الناقل عقدا أو أبرم باسمه أو نيابة عنه مع الناقل عقدا لنقل بضائع بطريق البحر، أو كل شخص يسلم البضائع إلى الناقل أو تسلم بالفعل البضائع باسمه أو نيابة عنه إلى الناقل في إطار عقد النقل البحري، هذا التعريف تبناه المشرع المغربي من خلال مشروع القانون البحري .
    أما الناقل فهو إما مجهزا مالكا للسفينة أو مجهزا مستغلا للسفينة في إطار عقد الإيجار، الذي يلتزم نحو المرسل بنقل بضائعه إلى ميناء ما خلال مدة معينة ومقابل أجر معين، وما سيخصص للبضاعة جزء أو كل السفينة، وقد عرفته اتفاقية هامبورغ ومشروع القانون البحري المغربي بأنه :"ّ كل شخص أبرم عقدا أو أبرم باسمه عقد مع شاحن لنقل البضائع بطريق البحر".
    ومن خلال هذه التعاريف، يلاحظ أن تحديد هوية الناقل تطرح عدة إشكالاتّ، فهل هو المذكور في سند الشحن أم الذي قام فعلا بنقل البضاعة، وقد طرح هذا الإشكال أمام القضاء المغربي.
    أما بالنسبة للمرسل إليه فنادرا ما يرسل الشاحن البضاعة لنفسه أو إلى وكيله، وإنما يرسلها في الغالب الأعم إلى المرسل إليه الذي يكون بحوزته سند الشحن اسميا أو لأمر أو لحامله، وقد عرفت اتفاقية هامبورغ إلى أن المقصود بالمرسل إليه أنه الشخص الذي له الحق غي تسلم البضائع.
    وبخصوص العناصر الموضوعية لعقد النقل البحري فتتمثل في البضاعة المراد نقلها، وأجرة النقل، حيث يلتزم الناقل بإيصال البضاعة إلى مينا الإفراغ مقابل أجرة، ولقد نظم المشرع المغربي مسألة الأجرة في الفصول من 228إلى 230.
    وعلى غرار طرق النقل الأخرى، نجد أن عقد النقل البحري يثبتإما عن طريق عقد مشارطة الإيجار وهو عقد يثبت نقل البضاعة دون شحنها،وقد يفضل المرسل أو الشاحن التعقد مع الناقل البحري، لنقل بضاعته من ميناء الإقلاع أو التحميل، إلى ميناء الوصول أو التفريغ، ويتم التعاقد في هذه الحالة باسطة سند الشحن، الذي يصدره الناقل البحري،والمقصود بسند الشحن أي وثيقة من شأنها إثبات عقد نقل بالبحر ومقررة استلام الناقل للبضائع أو شحنه لها على ظهر السفينة وتعهده للشاحن بتسليم البضائع مقابل استرداد تلك الوثيقة، ولقد عرف الفصل 209 من القانون البحري المغربي سند الشحن بأنه: " اعتراف خطي بالبضائع التي يتسلمها الربان ".


    إن الالتزام الذي يقع على عاتق الناقل البحري، هو التزام بنتيجة تتمثل في إيصال البضاعة التي تسلمها من المرسل أو الشاحن في ميناء الشحن، لمن له الحق في سلامتها في ميناء التفريغ، وذلك في الوقت المتفق عليه سليمة من كل عيب أو نقص يلحقها

    فأي إخلال بالتزامات الناقل يوجب مسؤوليته، وهي مسؤولية عقدية ناجمة عن إخلال بالتزام تعاقدي.
    وأساس المسؤولية هو الخطأ،وهو مفترض في الناقل كما جاء في الفصل 221 من القانون التجاري البحري :" يبقى مؤاجر السفينة مسؤولا عن كل هلاك أو عوار يصيب البضائع مادامت تحت حراسته..."،وأيضا المادة 5 من اتفاقية هامبورغ التي اعتبرت الناقل مسؤولا عن الخسارة التي تنتج عن هلاك البضاعة أو تلفها.
    فالالتزام الرئيسي الملقى على عاتق الناقل البحري للبضائع بموجب عقد النقل البحري، هو نقل البضاعة من ميناء الإقلاع أي ميناء الشحن إلى ميناء الوصول وتسليمها إلى المرسل إليه، فأي ضرر يلحق البضاعة سواء تمثل في هلاكها جزئيا أو كليا يرتب مسؤولية الناقل البحري، أما بالنسبة لتلف الطريق فإنه من المتعارف عليه أنه هو الهلاك أو التلف البسيط الناتج عن طبيعة البضاعة المنقولة لا يسأل عنه الناقل، وهو ما أكده القضاء المغربي في قرار للمجلس الأعلى الذي اعتبر على أن العرف جرى من قديم على قبول النقص اليسير والتلف البسيط الناتج عن طبيعة البضاعة ،ولقد حددت النسبة التي تعتبر تلفا بسيطا في حدود 2 في المائة، تحددها المحكمة عن طريق الأمر بإجراء خبرة.
    ويسأل الناقل عن التلف أو العوار الذي يلحق البضاعة ابتداء من تاريخ تسلمه لها إلى حين تسليمها للمرسل إليه، كما يسأل عن التأخير في التسليم بعد مراعاة المدة المتفق عليها لإيصال البضاعة الواردة بسند الشحن، وهو ما أكده قرار للمجلس الأعلى حيث جاء فيه:"...بمقتضى الفصلين المذكورين- ف 221 من ق ت ب والفصل 78من القانون التجاري – يتأكد أن الناقل البحري مسؤول عن كل البضاعة المسلمة له إلى يوم تسليمها إلى المرسل إليه، ومحكمة الاستئناف عندما طبقت الفصل 221 المشار إليه لم تلتفت إلى مقتضيات الفصل 78 المذكور واعتبرت أن المكاري قد انتهت مسؤوليته عن البضاعة منذ تسليمها إلى مكتب الشحن مع أن مقتضيات الفصلين المذكورين يقتضي غير ذلك، بل تعتبر الناقل البحري مسؤولا إلى أن تسلم البضاعة إلى المرسل إليه وللناقل البحري حق الرجوع إلى مكتب الشحن إذا كانت مسؤوليته في ذلك."
    فمن خلال هذا القرار نستخلص أن مسؤولية الناقل البحري مستمرة إلى حدود وصول البضاعة إلى المرسل إليه، لكن نعتقد أن هذا القرار تشدد اتجاه الناقل ، إذ كيف يعقل أن تبقى مسؤوليته قائمة في الحالة التي تخرج فيها البضاعة من تحت حراسته،ويمكن التساؤل هنا عن دور ككتب الشحن ويسير فى هذا الاتجاه قرار للمجلس الأعلى الذي اعتبر أن الناقل مسؤول عن كل عن كل ضياع أو تلف يصيب البضاعة مادامت في حراسته وتنتقل هذه المسؤولية إلى مكتب الشحن إذا وقعت الخسارة أثناء وجود البضاعة في عهدته أو لم يبد تحفظاته على الروافع بشأن الحالة الظاهرة للبضاعة أو بشأن عدم إفراغ جميع الطرود كما وردت في وثيقة الشحن.
    وإلى جانب الهلاك هناك ضرر قد يصيب البضاعة، نصت عليه المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ، حيث تصل البضاعة وهي في حالة سيئة فإذا لم يورد الناقل في سند الشحن تحفظاته فإنه يفترض انه استلم البضاعة في حالة جيدة، لذلك فإن كل تلف أو عوار يلحق البضاعة ، يفترض أنه حصل نتيجة خطأ أو إهمال الناقل، لكن ينتقد الفقه القضاء حين يضفي على سند الشحن قوة ثبوتية مطلقة في إثبات سلامة البضاعة.
    ومن بين الحالات التي تثار فيها مسؤولية الناقل البحري، نجد حالة التأخير في إيصال البضاعة، حيث بالرجوع إلى المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ فإنها تؤكد على أن هناك تأخير إذا لم يتم تسليم البضاعة في الوقت المنصوص عليه في عقد النقل البحري أو في حدود المهلة التي يكون من المعقول تطلب التسليم خلالها، كما نصت المادة 456من مدونة التجارة المغربية على أنه: " يجب أن يتم النقل داخل الأجل المحدد من قبل الأطراف أو طبقا للعرف التجاري وإلا فيتم داخل الأجل الذي يعتبر مقبولا"، فالناقل البحري يسال عن التأخير، ولقد نص الفصل 217من ق ت ب المغربي على انه: " إن الطرف الذي يتسبب في توقف السفينة أو تأخرها عند الإقلاع أو خلال السفر أو في مكان التفريغ يكون ملزما بأداء تعويض للطرف الآخر"، وما يلاحظ على عبارات هذا الفصل أنها غير واضحة عكس المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ التي أكدت في فقرتها الأولى على أنه:" يسال الناقل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها وكذا الناتجة عن التأخير في التسليم ".
    زقك يلجأ الناقل البحري إلى تضمين سند الشحن شرطا يعفيه من المسؤولية عند التأخير في تسليم البضاعة، وهو شرط يعد باطلا حسب مقتضيات الفصل 264من ق ت ب ، لكن الفقه اعتبر هذا الشرط صحيحا ،أما إذا ثبت أن التأخير راجع لخطا الناقل البحري كان من نتيجته التأخير يسأل الناقل رغم وجود شرط الإعفاء
    ولتقرير مسؤولية الناقل البحري يتعين إثبات الضرر وهو يكون بجميع الوسائل ،وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي ففي قرار لاستئنافية الدار البيضاء[2][ جاء فيه:"... من حيث إنه فضلا عن ذلك فمن المقرر فقها وقضاء جواز إثبات الضرر في مادة النقل البحري بكافة الوسائل،وحتى بخبرة معيبة أو ناقصة طالما أن الأمر يهم معاملة تجارية يسودها مبدأ حرية الإثبات...".
    سبق القول أن أساس مسؤولية الناقل البحري هو الخطأ المفترض ، لكن في المقابل يبقى من حق الناقل أن يعفى من المسؤولية ، فيجوز إعفاؤه إذا أثبت أن سبب هلاك البضاعة أو عوارها أو التأخر في وصولها، يرجع ألا قوة قاهرة استنادا لمقتضيات الفصل 221من ق ت ب الذي نص على أنه: " يبقى مؤجر السفينة مسؤولا عن كل هلاك أو عوار يصيب البضائع مادامت تحت حراسته وما لم يثبت وجود قوة قاهرة"، فعليه أن يثبت بدل العناية الضرورية وأن ما وقع كان خارجا عن إرادته، وهكذا جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء :"... حيث يدفع الناقل البحري بالقوة القاهرة وبالتالي انعدام مسؤوليته نظرا لقوة العاصفة التي تعرضت لها الباخرة خلال السفرة البحرية التي تمت خلال شهر فبراير 1978، غير أنه كان على الربان أن يتوقع حدوث مثل هذه العاصفة في هاته الآونة واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتلافيها، وبالتالي فلا مجال للتمسك بمقتضيات الفصل 269قلع الذي يعتبر القوة القاهرة كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه في حين أن حدوث العواصف خلال تلك الفترة من الأمور التي يمكن توقعها في فصل الشتاء الذي تكثر فيه العواصف..."
    ونعتقد أن هذا القرار تشدد اتجاه الناقل البحري لأن القوة القاهرة تتحقق أيضا في حالة استحالة الدفع إلى جانب عدم التوقع، وبالتالي لا يمكن تحميله المسؤولية، فلا يمكن للناقل توقع قوة العاصفة.
    كما يعفى الناقل من المسؤولية إذا أثبت أن هلاك البضاعة كان نتيجة لحريق اتخذ معه جميع التدابير التي كان من المعقول تطلب اتخاذها لإخماد الحريق، وتجنب تبعاته أو التخفيف منه حسب الفقرة الرابعة من المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ، وفي ظل التشريع المغربي فإنه يبقى على عاتق الناقل البحري عبء إثبات أن الضرر الحاصل للبضاعة ناتج عن حريق لم يكن بالامكان توقعه وكذا التغلب عليه أي إثبات عناصر ومقومات القوة القاهرة طبقا للفصل 269من ق ل ع .
    وفي حالة وجود عيب خفي في البضاعة، فإن الناقل يعفي نتيجة تقصير المرسل أو الشاحن في التلفيف أو التغليف ، أو في حالة عدم إخبار الناقل عن طبيعة البضاعة المراد نقلها حتى يتمكن من اتخاذ الاحتياطات الكافية للحفاظ عليها كما لو كانت معرضة للكسر وهي لا تحمل علامة تفيد ذلك، ولقد اعتبر المجلس الأعلى أن مكتب استغلال الموانئ يتوجب عليه تغطية البضاعة المودعة لديه وبالتالي المسؤولية ملقاة على عاتق المكتب.
    ولا يسأل الناقل البحري عن هلاك البضاعة أو التأخير في تسليمها، إذا كان ذلك بسبب إنقاذ الأرواح والأموال في البحر.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 5:29 am